Loading ...

غزة فی حاجةٍ إلى غیرِ الدواءِ والغذاءِ


بقلم د. مصطفى یوسف اللداوی


کثر الحدیث بعد مجزرة یوم الاثنین الرابع عشر من مایو عن قوافل إغاثة عربیة ودولیة لقطاع غزة، وإلى جانبها وعودٌ إسرائیلیة بتسهیلاتٍ على المعابر التجاریة، وزیادة فی عدد الشاحنات الیومیة، وفی أنواع المواد والبضائع المسموح دخولها إلى القطاع، والموافقة على تسییر قوافل إغاثة ومواد طبیة من فلسطینیی الخط الأخضر إلى سکان القطاع، وتقدیماتٌ إنسانیة غیرها کثیرة شرط هدوء الأوضاع وتوقف المسیرات، أو الابتعاد عن السیاج الفاصل وعدم الاقتراب منه، وعدم التهدید بإزالة السیاج والأسلاک الشائکة واقتحام الحدود إلى الجانب الآخر من القطاع، وذلک لضمان أمن المستوطنین وعدم ترویعهم، وتمکینهم من العودة إلى مستوطناتهم، والعودة إلى حیاتهم الطبیعیة، بعد إجراءات رفع مستوى التهدید إلى الخطر، والتی أثرت کثیراً على حیاتهم وأعمالهم وممتلکاتهم ومصالحهم العامة.


کما أسرعت دولٌ عربیةٌ وإسلامیةٌ عدیدةٌ إلى الإعلان عن رغبتها تسییر قوافل إغاثة إلى قطاع غزة، تشمل مواد غذائیة وأدویة وتجهیزات طبیة، لمواجهة المجزرة الدمویة المهولة التی تعرض لها أبناء غزة، حیث تجاوز عدد الشهداء الستین شهیداً، وأصیب بجراحٍ متفاوتة فی الخطورة آلاف الفلسطینیین من الجنسین ومن مختلف الأعمار ومناطق القطاع، حیث استخدم جیش العدو الإسرائیلی فی مواجهة جموع الفلسطینیین فی مسیرتهم السلمیة، طلقاتٍ جدیدةً وخطیرة، تلحق أذى أکثر، وتتسبب بتهتک کبیر فی أنسجة الإنسان، وتنفجر داخل الجسم وتفتت العظام وتجعل من إمکانیة الشفاء صعبة وتستغرق وقتاً طویلاً، وقد تسببت الإصابات الخطیرة فی استشهاد عددٍ من الجرحى بعد أیامٍ من إصابتهم.


لا شک أن سکان قطاع غزة فی أمس الحاجة إلى المساعدات الغذائیة والإنسانیة والطبیة وغیرها، وفی حاجةٍ إلى العون العربی والإسلامی قبل مجزرة الاثنین الکبیر، وقبل مسیرات العودة الکبرى، إذ أنهم یعانون من حصارٍ شدیدٍ وخانقٍ منذ أحد عشر عاماً، وما زال هذا الحصار یشتد ویضیق، ولکن حاجتهم الیوم بعد المجزرة أشد، وما یلزمهم أکثر، وقد کان حریاً بالدول والحکومات التی أسرعت إلى الإعلان عن استعدادها لتقدیم العون والمؤن، أن تقوم بهذا العمل من قبل، وأن تبادر إلى القیام بواجبها وأداء ما هو منوطٌ بها ومأمولٌ منها من قبل المجزرة، إذ لا ینبغی ربط المساعدات والمساندة، والمعونات والتأیید بالعدوان الإسرائیلی، ولا بالمجازر والأحداث، والمحن والابتلاءات، والدم والقتل.


لکن حاجة الفلسطینیین عموماً لا فی قطاع غزة فقط قبل الغذاء والدواء رغم أهمیته وضرورته، إلى ما هو أهم وأکبر، وما هو أعظم وأقدس، إنهم یبحثون عمن ینتصر لهم، ویقف إلى جانبهم، ویؤیدهم فی حقهم، ویدعمهم فی نضالهم، ویساعدهم فی الإبقاء على قضیتهم حیة وفاعلة، وحاضرة وقویة، وألا تُجرفُ مع سیول التسویة والتصفیة، التی یخطط لها الرئیس الأمریکی ترامب، ومعه مجموعة کبیرة من مساعدیه ومستشاریه، ضمن ما یسمى بصفقة القرن، فالفلسطینیون یشعرون بخطورةٍ کبیرة من الإجراءات الأمریکیة الأخیرة، ومنها نقل سفارتهم إلى مدینة القدس، واعترافهم بها عاصمةً أبدیةً موحدةً للکیان الإسرائیلی.


الفلسطینیون یریدون من الأنظمة العربیة التی باتت قریبة من الکیان الصهیونی، تثق به وتنسق معه، وتصدقه ولا تکذبه، وتزوره وتدعوه إلى بلادها، وتبدی رغبتها فی التحالف معه والارتباط به، أن تؤوب إلى رشدها، وأن تراجع نفسها، وأن تکف عما تقوم به، وألا تعطی العدو بتنسیقها معه وتطبیعها العلاقات وإیاه، السکین الذی به یذبحنا، والسلاح الذی به یقتلنا، والقوة التی بها یبطش بنا، فهو الیوم فرحٌ فخورٌ، مختالٌ سعدٌ، راضی عما یقوم به، إذ یشعر أن بعض الأنظمة العربیة تؤیده وتسانده، وتتفهم إجراءاته وتوافق على سیاسته، ولا تعترض عما قام به رغم فداحة ما ارتکب وعظم ما وقع فیه.
الفلسطینیون یریدون من هذه الأنظمة أن تدرک أنها أخطأت وأجرمت، وأنها أساءت وأضرت، وأنها بما تقوم به مع العدو إنما هی تخون وتفرط، وترتکب فی حق الشعب الفلسطینی والأمة العربیة جریمةً لا تغتفر، بل إنها ترتکب خطیئةً کبرى ومعصیة فی جنب الله کبیرة، لا یغفرها لهم الله ورسوله والمسلمون، فهذه فلسطین هی الأرض المبارکة، التی بارک الله فیها وفیما حولها، وفیها قدسه الشریف، وأقصاه المبارک، ومسرى رسوله الکریم، ومنها کان معراجه صلى الله علیه وسلم إلى السماوات العلى.
فهذه الأرض ومقدساتها جزءٌ من ثوابت دیننا، وبعضٌ من نص قرآننا، وهی إرث أجدادنا وفتح أسلافنا، ووقف أجیالنا، مما لا یجوز التفریط فیه أو التنازل عنه، وإلا فلا نکون مسلمین، ولا ننتمی إلى رسول الله صلى الله علیه وسلم بصلة، وسیأتی زمانٌ تلعن فیه شعوبنا من فرط وخان، ومن انقلب وتآمر، فهذه أمةٌ لا تقیم على الضیم، ولا تعیش على الخسف، ولا ترکن إلى المذلة، ولا یبقى فیها خائنٌ وذلیل، ولا یعیش فیها متآمر ومع العدو متعاون، والتاریخ على هذا شاهد، وفیه من القصص الکثیر، ومن عبر الماضی ما هو أکثر.


شکراً لمن انتصر للفلسطینیین ولأهل غزة، وانبرى لمساعدتهم وهب لنجدتهم، ووقف إلى جانبهم ولم یناصر علیهم عدوهم، ولم یطعنهم بالخنجر فی ظهرهم، إذ النصرة لا تکون بکسرة خبز وشربة ماء، ولا بوعدٍ بتسهیل وببضعة دنانیر، إنما تکون النصرة بوقفة عزٍ وکلمة شرفٍ، فأهل فلسطین أحرارٌ أشرافٌ، نبلاءٌ أصلاءٌ، أهل شجاعةٍ وشهامة، وفیهم أنفةٌ وفروسیة، فلا یقبلون أن یداووا إلا بطاهرٍ، ولا یرضون أن ینبت فیهم لحمٌ إلا من حلالٍ، ولا یرضون من عربیٍ إلا أن یکون شهماً تحرکه غیرتُه، وتدفعه نشامتُه، ویقوده صدقُه وإخلاصُه، وولاؤُه وانتماؤُه، وعقیدتُه ودینُه.
بیروت فی ۱۸/۵/۲۰۱۷
 
 


Users Comments