Loading ...

الاثنین المشهود والیوم الموعود
مسیرة العودة الکبرى (۹)

یجدر بالشعوب العربیة والإسلامیة التی ینتمی إلیهم الفلسطینیون، أن تفخر بهذا الشعب المعطاء، وأن تعتز بهذه الأجیال المقدامة، والشبان الشجعان والرجال الأماجد، والأمهات الخنساوات الصابرات، فهم یصنعون المجد لهم ولکم


بقلم د. مصطفى یوسف اللداوی
یومٌ واحدٌ یفصلنا عن یوم الاثنین الکبیر، الرابع عشر من مایو/آیار، الیوم الذی أعلن منظمو مسیرة العودة الوطنیة الکبرى عزمهم أن یصلوا مع الشعب الفلسطینی إلیه تدریجیاً، لیکون یوم الذروة وقمة المسیرة، ویوم التحدی وعنوان المواجهة، ورمز الحراک وغایة الشعب، ومنعطفاً جدیداً ومرحلةً أخرى، ولیکون مختلفاً عن بقیة الأیام التی سبقته، ومغایراً له فی الحشد والشعار، وفی الزحف والمسیر، وفی الرباط والمواجهة، وفی الامتداد والانتشار، وفی العزم والإرادة، وفی التصمیم والإصرار، وفی الوضوح والصراحة، إذ فیه سیجتازون الحدود، وسینتزعون الأسلاک، وسیسقطون السیاج، وسیدخلون زحفاً إلى بلداتهم وقراهم.
أراد الفلسطینیون أن یجعلوا من هذا الیوم أساساً قویاً ومنطلقاً جدیداً للأیام القادمة التی ستلیه، یتحدون فیه سلطات الاحتلال بعزیمتهم، ویواجهونه بإرادتهم، ویصمدون أمام قواته ببسالتهم، ویثبتون أمام جحافله بإیمانهم، لیثبتوا له أنهم صُدُقٌ فی الإرادةِ، وصُبُرٌ عند المواجهة، وجُندٌ عند اللقاء، ومشاریع شهادة عند الحاجة، وأنهم سیخوضون هذه المعرکة رغم تباین القدرات واختلاف موازین القوى، فهم أقویاء بحقهم، وأشداء بثباتهم، ویریدون فی یومهم هذا أن یرسلوا لعدوهم رسالةً واضحةً صریحةً، أن هذه الأجیال لن تنسى وطنها، ولن تفرط فی حقها، ولن تساوم على مقدساتها، ولن تفاوض عدوها، وأنها تتطلع کما الآباء والأجداد إلى العودة إلى الدیار، وإلى استعادة الوطن والحقوق والممتلکات.
إنه الیوم المشهود، یوم الاثنین الموعود الذی تهیأ له الفلسطینیون واستعدوا، وأعلنوا عنه وأصروا علیه، ومضوا فی الإعداد له والتحضیر لخوضه، غیر عابئین بتهدیدات العدو، ولا خائفین من استعداداته، إذ ماذا سیحمل لهم أکثر من القتل، وأسوأ من الإصابة والقنص، فقد مارس ضدهم غایة بطشه، وقمع بسلاحه مسیرتهم السلمیة، وحراکهم الشعبی، فقتل على مدى عمر المسیرة القصیر أکثر من خمسین فلسطینیاً، وأصاب آلافاً آخرین بجراحٍ مختلفة، استشهد بعضهم نتیجة إصاباتهم الخطیرة، ومع ذلک ما انکفأ الفلسطینیون ولا ارتدوا على أعقابهم، ولا رفعوا رایة یأسهم ولا ما یدل على قنوطهم، بل مضوا یطلقون على کل یوم جمعةٍ اسماً جدیداً فیه تحدی ومواجهة، وفیه إصرارٌ وعنادٌ، وفیه تجدیدٌ وابتکار.
یدرک العدو الصهیونی أن هذا الیوم سیکون مختلفاً، وأن المواجهة فیه قد تکون دامیة، وأن الضحایا فیه سیکونون کثرٌ، وقد یفوق عددهم عدد الذین سقطوا على مدى أیام الجمع الماضیة کلها، وتعلم أجهزته الأمنیة والعسکریة أن الفلسطینیین فی قطاع غزة قد أعدوا لهذا الیوم عدته، وتجهزوا لخوضه وخاطبوا العالم کله لیرقب تحرکهم، ویشهد مسیرتهم، ویتابع زحفهم، ویکون شاهداً على همجیة الکیان الصهیونی وجیشه، الذی یقمع بسلاحه الفتاک المسیرات المدنیة، ویقتل برصاصه الشبان البعیدین عن السیاج، الذین لا یحملون فی أیدیهم سلاحاً، ولا یلوحون للعدو الذی یراهم بسکینٍ أو بندقیة، ولا بعصا أو قضیبٍ، ولا بخشبةٍ أو حدیدة، إذ أن مسیرتهم سلمیة، ونضالهم شعبی، وأهدافهم معروفة ومشروعة.
أدرک العدو وحلفاؤه، کما أدرک الأشقاء والأصدقاء والمراقبون والمتابعون، جدیة الحراک الشعبی الفلسطینی، وإصراره على المضی حتى النهایة فی نضاله، وعلموا جمیعاً أن القوة والعنف، والبطش والإرهاب لن یثنی الفلسطینیین عن عزمهم، ولن یفت فی عضدهم، ولن یمنعهم من مواصلة طریقهم واستکمال نضالهم، فنشطت لثنیهم عن هدفهم عواصم القرار الدولیة فی أوروبا الغربیة والولایات المتحدة الأمریکیة، وحمل المبعوثون الدولیون والمسؤولون الأمنیون ملفاتهم، ومع کلٍ منهم سلة من المغریات وجملة من العطاءات، والکثیر من التسهیلات والامتیازات، لیوقف الفلسطینیون مسیرتهم، أو لیبتعدوا عن السیاج ویتوقفوا عن التهدید باجتیازه.
کما أدرک الفلسطینیون أن حراکهم مجدی، وأن مسیرتهم مؤثرة، وأن وحدتهم رائعة، وأن صفوفهم متماسکة، وإرادتهم صلبة، وأنهم باتوا یدقون أبواب بلداتهم وبوابات مدنهم الکبرى، وأن العدو أخذ یستشعر الخطر من حراکهم، ویخشى بالوناتهم الحارقة، وطائراتهم الورقیة، ومقالیعهم الیدویة، ودوالیبهم القدیمة، وأفکارهم المتجددة، وأسلحتهم المبتکرة، وآفاقهم المفتوحة وفضائهم الواسع الفسیح، فبات یبدی استعداده للتفاهم والحوار، ورغبته فی التفاوض واللقاء، وأنه على استعدادٍ لتلبیة حاجات سکان غزة، ورفع الحصار جزئیاً عنهم، وتقدیم سلة مغریاتٍ وتسهیلاتٍ لهم، شرط أن یکفوا عن حراکهم، ویوقفوا مسیرتهم.
لا ینبغی أن نترک الفلسطینیین وحدهم، ولا أن نتخلى عنهم، ولا أن ننشغل بأی قضیةٍ عن مسیرتهم، ولا نسمح لأحدٍ بأن یغمطهم حقوقهم، أو أن یطمس تضحیاتهم، فالفلسطینیون لا ینجحون وحدهم، ولا یتمکنون من مواصلة مقاومتهم دون دعمٍ وإسنادٍ من شعوبهم العربیة وأمتهم الإسلامیة، فهم فی حاجةٍ إلى الإحساس بالسند العربی والعون الإسلامی، ولا یستغنون عنهم، وإنهم یشعرون بالکثیر من الأسى عندما یتبجح العدو بأنه اخترقنا  ومزقنا، وفرقنا وشتتنا، وجردنا من أنصارنا ومؤیدینا، وحرمنا من عمقنا وانتمائنا، فبتنا نواجهه وحدنا، ونقاومه بمفردنا.


یجدر بالشعوب العربیة والإسلامیة التی ینتمی إلیهم الفلسطینیون، أن تفخر بهذا الشعب المعطاء، وأن تعتز بهذه الأجیال المقدامة، والشبان الشجعان والرجال الأماجد، والأمهات الخنساوات الصابرات، فهم یصنعون المجد لهم ولکم، ویرسمون بتضحیاتهم لهذه الأمة على هام الزمان آیاتٍ من العز والفخار، ما یجعلهم یستحقون کل تحیة، ویستأهلون کل تقدیر، فهم محل فخرٍ وشرفٍ، وموضع تقدیرٍ واعتزاز، یرفعون الرأس، ویشرفون أهلهم، وتباهی بهم أمتهم، فطوبى لمن انتسب لهم وعمل معهم، وهنیئاً لمن ناصرهم وأیدهم، وساندهم وساعدهم، وتعساً لمن خذلهم وتآمر علیهم، وسحقاً لمن تخلى عنهم وانقلب علیهم.
 
بیروت فی ۱۳/۵/۲۰۱۸
 
 


Users Comments